السعودية

خسائر متواصلة تضرب شركات التأمين في السعودية.. هيئة التأمين تكشف السبب الحقيقي وراء تآكل الأرباح

يشهد قطاع التأمين في السعودية خلال الفترة الأخيرة ضغوطًا مالية متزايدة انعكست بشكل واضح على نتائج الشركات العاملة فيه، حيث تراجعت الأرباح لدى عدد كبير من شركات التأمين، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى تآكل جزء من رؤوس الأموال.

هذه التطورات أثارت تساؤلات واسعة داخل الأوساط الاقتصادية حول الأسباب الحقيقية وراء هذه الخسائر المتكررة، خاصة في ظل استمرار الطلب على منتجات التأمين، واتساع قاعدة المستفيدين من الخدمات التأمينية في مختلف القطاعات.

شركات التأمين بين ارتفاع التكاليف وضغوط المنافسة

في ظل الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، أصبحت شركات التأمين أمام معادلة معقدة تجمع بين ضرورة الحفاظ على قاعدة العملاء من جهة، وضمان الاستدامة المالية من جهة أخرى.

وتحاول بعض الشركات تقديم أسعار تنافسية لجذب العملاء أو منع تسربهم إلى شركات أخرى، إلا أن هذه السياسة، في ظل ارتفاع التكاليف التشغيلية والتعويضات، انعكست سلبًا على النتائج المالية، وأسهمت في تعميق الخسائر بدلًا من الحد منها.

توضيح رسمي من هيئة التأمين حول أسباب الخسائر

كشف المهندس ناجي التميمي، الرئيس التنفيذي لهيئة التأمين، عن السبب الجوهري الذي يقف خلف الخسائر التي تعاني منها غالبية شركات التأمين في السوق السعودي.

وأوضح أن المشكلة الأساسية لا ترتبط بضعف الإقبال أو تراجع الطلب على منتجات التأمين، وإنما تكمن في آلية التسعير التي تعتمدها بعض الشركات، والتي لم تعد متوافقة مع الارتفاع الكبير في تكاليف السلع والخدمات المرتبطة بقطاع التأمين.

وأشار التميمي إلى أن عدداً من الشركات لا يزال يعتمد أسعارًا منخفضة نسبيًا عند إصدار وثائق التأمين، في محاولة للحفاظ على حصتها السوقية، دون احتساب الزيادة الفعلية في المصروفات والتعويضات التي تتحملها لاحقًا.

كيف يؤدي الخلل في التسعير إلى خسائر متراكمة

بيّن الرئيس التنفيذي لهيئة التأمين أن الخلل يظهر بوضوح عند مقارنة قيمة الأقساط المحصلة من العملاء بحجم التعويضات المدفوعة.

فعلى سبيل المثال، قد يدفع العميل قسطًا تأمينيًا بقيمة مئة ريال، في حين تضطر شركة التأمين إلى دفع تعويضات تصل إلى مئة وعشرة ريالات، نتيجة الارتفاع الكبير في تكاليف الإصلاح أو العلاج أو الخدمات الأخرى المشمولة بالتأمين.

ورغم أن هذا الفارق يبدو محدودًا عند النظر إليه بشكل فردي، إلا أن تكراره على نطاق واسع ومع عدد كبير من الوثائق يؤدي مع مرور الوقت إلى خسائر متراكمة، تبدأ بتآكل الأرباح، ثم تمتد إلى رأس المال، ما يضع الشركات في موقف مالي بالغ الحساسية.

ارتفاع التكاليف يضغط على التأمين الصحي والمركبات

ساهم الارتفاع العام في أسعار السلع والخدمات في زيادة الأعباء المالية على شركات التأمين، لا سيما في قطاعات حيوية مثل التأمين الصحي وتأمين المركبات.

فقد ارتفعت تكاليف العلاج الطبي والخدمات الصحية، إلى جانب الزيادة الملحوظة في أسعار قطع الغيار وأجور إصلاح المركبات، بينما ظلت أسعار وثائق التأمين ثابتة أو منخفضة في بعض الحالات، ما أجبر الشركات على تحمل فارق التكلفة.

كما أن المنافسة الشديدة بين شركات التأمين دفعت بعضها إلى الاستمرار في تقديم أسعار غير واقعية، بدافع الخوف من فقدان العملاء، وهو ما أدى إلى تعميق الأزمة بدلًا من احتوائها.

ضرورة مراجعة سياسات التسعير لضمان الاستدامة

أكد التميمي أن معالجة هذه التحديات تتطلب إعادة نظر شاملة في سياسات التسعير المعتمدة لدى شركات التأمين، بحيث تعكس الأسعار التكاليف الحقيقية للخدمات المقدمة.

وأوضح أن التسعير العادل لا يعني تحميل العملاء أعباء إضافية غير مبررة، وإنما يهدف إلى تحقيق توازن يضمن قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها تجاه المؤمن لهم، دون التعرض لخسائر مستمرة تهدد استقرارها المالي.

نحو سوق تأميني أكثر توازنًا واستقرارًا

يشكل الحديث عن خسائر شركات التأمين مؤشرًا واضحًا على الحاجة إلى تطوير نماذج العمل في هذا القطاع، وتعزيز الوعي بأهمية التسعير القائم على أسس واقعية ومستدامة.

فاستقرار شركات التأمين ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين، ويعزز ثقة العملاء في السوق، ويضمن استمرارية هذا القطاع الحيوي ضمن منظومة الاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، تبقى الموازنة بين حماية حقوق العملاء وضمان سلامة المراكز المالية لشركات التأمين تحديًا يتطلب قرارات مدروسة، وتعاونًا فعالًا بين الجهات التنظيمية والشركات العاملة في القطاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى